الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

184

نفحات الولاية

استبطن النفرة والثاني التفاهة وعدم القيمة والاعتبار ، والإمام عليه السلام يوصي بأن تكون الدنيا أهون من هذا في الأعين ، الدنيا التي أدى عشق أموالها إلى ظهور القوارين ، وعشق مناصبها إلى ظهور الفراعنة والطواغيت الظلمة ، وأنّ حبّها رأس كل خطيئة . من جانب آخر فقد أشار عليه السلام إلى قصر مدة الدنيا وضرورة الاتعاظ بها « واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم » . لقد جمعوا لها وجهدوا من أجلها وانصرفوا ، ولم تعد قصورهم الخاوية وتيجانهم البالية وقدرتهم الجوفاء التي خلفوها هنا وهناك سوى عبرة لمن اعتبر ، فان اعتبربها فهو المطلوب ، وإلّا ستكونون أنتم عبرة يعتبر بكم من يأتي بعدكم . القرآن الكريم من جانبه لم ينفك عن دعوةالناس للاعتبار بالماضين ، فقد أورد عبارات توقظ الضمير وتهز الاعماق بشأن الفراعنة وضرورة الاتعاظ بهم « كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذ لِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ * فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ » . « 1 » غير أنّه من المؤسف أن بني إسرائيل لم يعتبروا بهذه الدروس حتى أصبح مصيرهم عبرة لغيرهم . ثم قال عليه السلام : وارفضوها ذميمة ، فانّها قد رفضت من كان أشغف « 2 » بها منكم » . ومن الطبيعي أن يكون مراد الإمام عليه السلام بهذه الدنيا المذمومة هي الدنيا التي تقود صاحبها إلى الظلم والطغيان والهوى والفساد لا الدنيا التي تشكل الجسر لعبور أولياء الله إلى الآخرة . كلام السيد الرضي قال الشريف الرضي : وهذه الخطبة ربما نسبها من لاعلم له إلى معاوية ، وهى كلام أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا يشك فيه ، وأين الذهب من الرغام ، وأين العذب من الأجاج ! وقد دل على ذلك الدليل الخريت ونقده الناقد الباصر عمرو بن بحر الجاحظ ، فانّه ذكر هذه الخطبة

--> ( 1 ) سورة الدخان / 25 - 29 . ( 2 ) « أشغف » من مادة « شغف » بمعنى أكثر تعلق بالدنيا وحبالها . وقد أخذت في الأصل من شغاف وهو الغلاف الذي يضم القلب ، كما تستعمل في العشق الشديد الذي يجتاح القلب وينفذ إلى أعماقه .